التكية من حكاية في التاريخ إلى حلم أتمنى أن أراه في المستقبل

 التكية…

 من حكاية في التاريخ إلى حلم أتمنى أن أراه في المستقبل


كتابي القادم سيكون بعنوان «التكية»

ولم أختر هذا الموضوع من فراغ

 ولم أقرر الكتابة عن التكية لمجرد أنها جزء من تاريخنا

 وإنما لأنني وجدت نفسي أمام فكرة إنسانية تستحق أن نبحث فيها من البداية

 وأن نسأل: كيف بدأت؟ ولماذا وُجدت؟ وماذا كانت تقدم للناس؟ ولماذا اختفت؟ وهل يمكن أن تعود فكرتها من جديد؟

لذلك سأبدأ بحثًا كاملًا في المكتبات والمراجع والكتب والوثائق المتاحة لأصل إلى كل ما يخص التكايا

من صاحب أول فكرة لإنشاء التكية؟

وأين أُنشئت أول تكية؟

ومتى بدأت؟

ومن أنشأها؟

ومن أشهر أصحاب التكايا؟


وما أهم التكايا التي كان لها دور مؤثر؟

وماذا كانت تقدم؟

ومن كانت تستقبلهم؟

وكيف كانت تُدار وتموَّل؟

وكيف كان الأغنياء وأهل الخير يقومون بدورهم تجاه المجتمع؟

أريد أن أمسك الموضوع من جذوره وأن أحكي كل ما أصل إليه من معلومات موثقة، لأن التكية لم تكن مجرد مكان يقدم الطعام، وإنما كانت في جوهر فكرتها بابًا مفتوحًا أمام من أُغلقت في وجهه الأبواب.

كان فيها مكان للمحتاج، والمسن، والأرملة، والمطلقة وأولادها، وعابر السبيل، ومن ضاقت به الحياة.

بل إن المرأة التي تتعرض للقسوة أو يطردها زوجها ولا تجد أين تذهب، يمكن أن تجد الان المؤسسات ملجأً وسندًا.

وهنا بدأت أسأل نفسي:

ماذا حدث لهذه الفكرة؟

لماذا أصبحنا نقسم المحتاجين إلى مؤسسات منفصلة؟

دار للمسنين هنا، ورعاية للأطفال هناك، ومأوى لفئة أخرى، وكل فئة تعيش بعيدًا عن الأخري

لماذا لا نستعيد روح التكية ولكن بفكر حديث، ونظام علمي يحفظ كرامة الجميع؟

ولماذا لا يكون للغني دور أكبر من مجرد دفع الضرائب؟

نعم، دفع الضرائب واجب تجاه الدولة، ولكن هل تنتهي مسؤولية الإنسان القادر عند هذا الحد؟

أين الإحسان؟

أين الرحمة؟

أين الشعور بالآخر؟

أين القرية الفقيرة من حسابات الأغنياء؟

وأين الأسرة التي لا تجد قوت يومها؟

وأين المسن الذي يحتاج إلى من يؤنسه؟

وأين الطفل الذي يحتاج إلى رعاية وحب واهتمام؟

أنا لا أقول إن الغني مطالب بأن يعطي كل ما يملك، ولكنني أقول إن من يملك القدرة على صناعة الخير، ثم يرى الحاجة حوله ولا يفعل شيئًا، عليه أن يسأل نفسه: لماذا أعطاني الله القدرة والمال؟

فالمال نعمة، ولكنه أيضًا مسؤولية.

ومن هنا جاءتني فكرة أتمنى أن تتحول يومًا من مجرد فكرة إلى واقع.

تكية جديدة للمستقبل

أتمنى أن أرى في المستقبل أغنياءنا وأهل الخير يجتمعون على مشروع خيري كبير، يحمل اسم «التكية».

لكنها لن تكون تكية الماضي، بل تكية حديثة متكاملة.

مكان يجمع المحتاجين، ولكن لا يعزل كل فئة عن الأخرى.

مكان يجد فيه المسن الرعاية، ويجد فيه الطفل الأمان، وتوجد فيه الأسر المحتاجة، وكل فئة تحصل على الرعاية المتخصصة التي تحتاجها، مع وجود أطباء وأخصائيين ومشرفين ومتطوعين، ونظام يحفظ سلامة الجميع وكرامتهم.

والأجمل أن يكون هناك دمج إنساني محسوب بين الأجيال.

فأنا أؤمن أن المسن حين يرى ابتسامة طفل، قد تتغير نفسيته.

وحين يأتي الطفل ليعطيه وردة، أو يمسك يده، أو يجلس بجواره، أو يسمع منه حكاية، يشعر المسن أنه ما زال مهمًا، وأن هناك من يحتاج إلى وجوده.

والطفل أيضًا حين يجد قلبًا كبيرًا يحنو عليه، وحكاية يسمعها، ويدًا تربت عليه، وشخصًا يفرح بوجوده، يشعر بالحب والاهتمام والانتماء.

الصغير يعطي الكبير شيئًا من فرحة الطفولة، والكبير يعطي الصغير شيئًا من دفء الأبوة والجدود.

وهذه ليست مجرد فكرة رومانسية؛ فقد ظهرت في الخارج تجارب للدمج بين الأطفال وكبار السن، وكان للتواصل بين الأجيال أثر جميل على الطرفين عندما يتم في بيئة منظمة وتحت إشراف مناسب.

فلماذا لا يكون لدينا نحن أيضًا مشروع متكامل نستفيد فيه من هذه الفكرة، ونضيف إليها روح مجتمعنا وقيمنا؟

أتمنى أن أرى يومًا مكانًا يدخل إليه الطفل و يشعر أنه محبوب، ويدخل إليه المسن و يشعر أنه ليس وحيدًا.

مكان لا يعطي الإنسان سريرًا ووجبة فقط، وإنما يعطيه كرامة وونسًا وانتماءً.

وأنا مؤمنة أن الخير في هذه الأمة لم ينتهِ، وأن بيننا كثيرين ما زالت قلوبهم عامرة بالرحمة، ولكننا نحتاج إلى أن نجمع هذا الخير ونضعه في مشاريع حقيقية تترك أثرًا.

وأقولها بكل صدق:

لو تحقق هذا المشروع يومًا، فسأكون أول المتطوعين فيه.

لن أكتفي بأن أكتب عنه، بل أتمنى أن أراه بعيني، وأن أشارك فيه، وأن أرى طفلًا يضحك بجوار مسن، ومسنًا ينتظر ابتسامة طفل، وأسرة وجدت الأمان بعد خوف، ومحتاجًا وجد بابًا لم يُغلق في وجهه.

ولهذا اخترت «التكية»

لأنني أريد أن أبدأ من الماضي لأفهم كيف كان الخير يُصنع، ثم أنظر إلى حاضرنا وأسأل: ماذا ينقصنا؟

وربما يكون الهدف الحقيقي من الكتاب ليس أن نعرف فقط من أنشأ أول تكية…

بل أن نسأل أنفسنا:

هل نستطيع أن ننشئ تكية جديدة؟

تكية تجمع الخير، والرحمة، والرعاية، والعلم، والتطوع، وتجمع الإنسان بالإنسان.

ففي النهاية…

التراب ليس له جيوب.

سنترك المال والبيوت والأرصدة والممتلكات، ونذهب كما جئنا.

فلا تجعل سؤالك في نهاية العمر:

كم جمعت؟

بل اجعل السؤال:

كم إنسانًا أسعدت؟

كم محتاجًا سترت؟

كم طفلًا احتضنت؟

كم مسنًا آنسته؟

وكم بابًا فتحته لمن أُغلقت في وجهه كل الأبواب؟

هذا هو كتابي القادم «التكية»…

رحلة أبحث فيها عن تكية الأمس، 

وأحلم من خلالها بتكية الغد.

بقلم الاديبة رسا فاروق

Post a Comment

أحدث أقدم