«من ساعة ما رحت للدكتور وإنت اتجننت!»
عندما يصبح التغيير النفسي تهمة
بقلم: د. رابحة رأفت
استشاري نفسي إكلينيكي ومعالجة بالفن التعبيري
«إنت اتغيرت...»
قد تبدو الجملة في البداية مجرد ملاحظة.
لكن أحيانًا تأتي بعدها قائمة كاملة من الاتهامات:
«بقيت بترد.»
«بقيت تقول لأ.»
«من إمتى وإنت ليك رأي؟»
«إحنا عمرنا ما اتعودنا عليك كده.»
«من ساعة ما رحت للدكتور وإنت اتجننت!»
ثم تأتي الجملة التي تختصر كل شيء:
«الدكتور ده محتاج دكتور هو كمان.»
لكن... ماذا لو كان الشخص لم «يتجنن» أصلًا؟
ماذا لو كان فقط قد بدأ، ولأول مرة، يسأل نفسه:
لماذا أفعل ما أفعله؟
هل ما أؤمن به اختياري فعلًا؟
هل من الطبيعي أن أوافق دائمًا حتى لا أغضب الآخرين؟
هل التعبير عن احتياجاتي أنانية؟
وهل يمكنني أن أحب عائلتي، وأختلف معها في الوقت نفسه؟
ففي الوقت الذي قد يراه فيه البعض «متغيرًا» أو «صعبًا» أو حتى «مجنونًا»...
قد يكون هو فقط بدأ يتعلم شيئًا بسيطًا جدًا، لكنه لم يكن مسموحًا له به من قبل:
أن يكون له صوت.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية:
متى يكون التغيير علامة على نضج نفسي؟
ومتى يكون فعلًا علامة على مشكلة تحتاج إلى تدخل؟
والأهم...
لماذا قد يبدو التغيير الصحي أحيانًا مخيفًا لمن حولنا؟
وهنا تبدأ المشكلة:
هل الشخص فعلًا أصبح أسوأ؟
أم أن المحيطين به لم يعتادوا بعد على النسخة الجديدة منه؟
أحيانًا لا يكون التغيير في الشخص وحده... بل في العلاقة
نحن لا نتعلم كيف نتصرف بمفردنا.
منذ الطفولة، نتعلم داخل الأسرة ما الذي ي٠جعلنا مقبولين، وما الذي يسبب الغضب أو الرفض.
نتعلم، بشكل مباشر أو غير مباشر:
متى نتكلم.
متى نصمت.
كيف نختلف.
من يقرر.
من يعتذر.
من يتحمل.
ومن المفترض أن يضحي.
ومع الوقت، يمكن أن تتحول هذه الأنماط إلى أدوار ثابتة داخل الأسرة.
شخص يصبح «المطيع».
وآخر يصبح «الذي يتحمل».
وآخر «الذي لا يسبب المشاكل».
وقد تستقر العلاقات حول هذه الأدوار لسنوات.
لذلك، عندما يبدأ أحد أفراد الأسرة في تغيير طريقته في التعامل، لا يتغير هو وحده؛ قد تتغير معه طريقة العلاقة نفسها.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا قد يكون التغيير الصحي أحيانًا مزعجًا للآخرين.
لكن من المهم أن نكون دقيقين:
هذا لا يعني أن كل أسرة تقاوم التغيير، ولا أن كل اعتراض من الأسرة دليل على جهل أو مرض.
إنه مجرد إطار يساعدنا على فهم أن العلاقات تتأثر عندما تتغير أنماط التفاعل داخلها.
«بس إحنا عمرنا ما اتعودنا عليك كده!
هذه الجملة تكشف شيئًا مهمًا.
أحيانًا نحن لا نقاوم التغيير لأنه سيئ، وإنما لأنه غير مألوف.
إذا كان الشخص الذي اعتاد أن يوافق أصبح يناقش، سيبدو مختلفًا.
وإذا كان الذي اعتاد أن يصمت بدأ يتحدث، سيبدو مختلفًا.
وإذا كان الذي اعتاد أن يشعر بالذنب عندما يرفض طلبًا بدأ يقول «لا»، سيبدو مختلفًا.
لكن الاختلاف عن السلوك القديم لا يعني تلقائيًا وجود مرض نفسي.
في المقابل، لا يعني أيضًا أن كل تغيير صحي.
وهنا نحتاج إلى سؤال أهم من:
«هو اتغير ولا لأ؟»
السؤال هو:
«اتغير لإيه؟»
ماذا يقول علم النفس عن ذلك؟
هناك مفهوم مهم في نظرية Bowen للعلاج الأسري يسمى Differentiation of Self، ويمكن ترجمته تقريبًا إلى «تمايز الذات».
والمقصود به قدرة الإنسان على أن يكون له تفكير وموقف شخصي، وأن يستطيع تنظيم مشاعره، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاته بالآخرين.
أي أن النضج ليس أن تقول:
«أنا هعمل اللي أنا عايزه ومش فارق معايا حد.»
وليس أن تقول:
«أنا هرضي الجميع حتى لو على حساب نفسي.»
بل أن تستطيع أن تقول:
«أنا أحبك، لكن لدي رأي مختلف.»
«أحترمك، لكن هذا الشيء لا يناسبني.»
«أفهم مشاعرك، لكن لا أستطيع أن أفعل ما تطلبه مني.»
وهذه القدرة على الحفاظ على الذات مع استمرار الاتصال بالأسرة والعلاقات هي أحد المفاهيم المركزية في نظرية Bowen.
واللافت أن مراجعة علمية شملت 295 دراسة حول مفهوم تمايز الذات وجدت دعمًا لارتباطه بالصحة النفسية وجودة العلاقات، مع التأكيد على أن بعض الأسئلة السببية والطولية ما زالت تحتاج إلى مزيد من البحث.
إذن:
امتلاك رأي مستقل لا يعني تلقائيًا التمرد.
وضع الحدود لا يعني بالضرورة القطيعة.
والقدرة على الاختلاف لا تعني المرض.
لكن لماذا يخاف بعض الناس من العلاج النفسي أصلًا؟
هنا ندخل إلى مفهوم أكثر توثيقًا في البحث العلمي:
الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية وطلب المساعدة.
هناك أشخاص لا يرفضون العلاج لأنهم لا يحتاجونه، وإنما لأنهم يخافون من معنى الذهاب إلى الطبيب أو المعالج النفسي.
«الناس هتقول عليا إيه؟»
«يعني أنا مجنون؟»
«أنا المفروض أحل مشاكلي بنفسي.»
«الدكتور هيقنعني إني مريض.»
وهذه الوصمة ليست مجرد فكرة نظرية.
مراجعة منهجية وتحليل تلوي شمل 27 دراسة وجد أن المواقف السلبية تجاه طلب المساعدة النفسية ارتبطت بانخفاض احتمالية طلب المساعدة فعلًا.
ومراجعة أخرى أوسع شملت 144 دراسة وأكثر من 90 ألف مشارك بحثت في تأثير الوصمة على طلب المساعدة، ووجدت أن الوصمة تمثل أحد العوائق المهمة أمام الوصول إلى خدمات الصحة النفسية.
لذلك، عندما يقول شخص:
«الدكتور هو اللي محتاج دكتور»
قد تكون الجملة أحيانًا أكثر من مجرد سخرية:
قد تكون تعبيرًا عن اعتقاد قديم:
«الشخص الطبيعي لا يحتاج إلى مساعدة نفسية.»
وهذا الاعتقاد نفسه جزء من مشكلة الوصمة.
وهل يمكن أن تأتي الوصمة من الأسرة؟
نعم.
وهنا لدينا أدلة بحثية مباشرة.
مصطلح Affiliate Stigma يشير إلى الوصمة التي قد يستبطنها أفراد الأسرة أو مقدمو الرعاية بسبب ارتباطهم بشخص لديه مشكلة أو اضطراب نفسي.
في مراجعة منهجية وتحليل تلوي شمل 22 دراسة و3,381 من مقدمي الرعاية، وُجد أن الوصمة التابعة كانت ظاهرة مهمة بين أفراد أسر الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية، وارتبطت بعدة عوامل نفسية واجتماعية مثل الضغط والعبء النفسي والاكتئاب والضيق النفسي.
إذن الأسرة ليست دائمًا مصدرًا للوصمة فقط من خلال الرفض المباشر.
أحيانًا قد تكون الأسرة نفسها متأثرة بالصورة الاجتماعية السلبية للمرض النفسي.
ولهذا قد يكون علاج أحد أفراد الأسرة أو تشخيصه تجربة صعبة على الأسرة كلها.
لكن هناك فرق مهم جدًا
إذا أصبح شخص أكثر قدرة على التعبير عن رأيه، فهذا لا يعني تلقائيًا أنه «يتعافى».
وإذا أصبح أكثر رفضًا للآخرين، فهذا لا يعني تلقائيًا أنه «أصبح واعيًا».
وإذا بدأ يضع حدودًا، فهذا لا يعني أن كل حد يضعه صحي.
لذلك لا ينبغي أن نقع في الطرف الآخر ونقول:
«كل ما أفعله بعد العلاج صحيح، وكل من يعترض عليّ مريض أو غير واعٍ.»
هذا ليس نضجًا نفسيًا.
النضج يعني أن أستطيع أن أراجع نفسي أيضًا.
هل أستطيع أن أختلف دون أن أهين؟
هل أستطيع أن أضع حدودًا دون أن أعاقب؟
هل أستطيع أن أعبّر عن غضبي دون إيذاء الآخرين؟
هل أستطيع أن أقول «لا» وأتحمل مسؤولية قراري؟
هل أستطيع أن أعترف أنني أخطأت؟
هل ما زلت قادرًا على رؤية وجهة نظر مختلفة؟
هنا يصبح التغيير أكثر أهمية من مجرد كونه مختلفًا.
وماذا عن الأسرة التي تقول: «الدكتور غيرك»؟
قد تكون هذه الجملة صحيحة بمعنى بسيط:
نعم، العلاج النفسي يمكن أن يغيّر الإنسان.
لكن التغيير ليس بالضرورة تغييرًا إلى الأسوأ.
قد يتعلم الشخص أن يعبّر عن احتياجاته بدلًا من كبتها.
قد يتعلم أن يميز بين الشعور والحقيقة.
قد يتعلم أن يقول «لا» دون شعور ساحق بالذنب.
قد يكتشف أن بعض القواعد التي عاش بها ليست قوانين كونية، وإنما أفكار تعلمها في بيئته.
وقد يبدأ في اتخاذ قراراته بدرجة أكبر من الوعي.
لكن العلاج الجيد لا يفترض أن يجعل الإنسان يعيش في حرب مع أسرته.
بل يفترض أن يساعده على فهم نفسه وعلاقاته بشكل أفضل.
وماذا لو كانت الأسرة تقول فعلًا: «أنت بقيت شخصًا تاني»؟
هنا يمكن أن يكون السؤال:
هل أصبح أكثر استقلالًا... أم أكثر اندفاعًا؟
أكثر تعبيرًا... أم أكثر عدوانية؟
أكثر قدرة على وضع الحدود... أم أكثر قسوة؟
أكثر وعيًا بمشاعره... أم أصبح أسيرًا لها؟
أكثر قدرة على الاختلاف... أم أصبح غير قادر على تقبل أي اختلاف؟
لأن الصحة النفسية لا تعني أن تصبح نسخة مختلفة عن الآخرين.
ولا تعني أن تكون دائمًا على حق.
الصحة النفسية تتعلق أيضًا بالمرونة، وتنظيم الانفعالات، والقدرة على تحمل المسؤولية، والحفاظ على العلاقات، وإمكانية مراجعة الذات.
وهناك شيء آخر يجب ألا نغفله
في بعض الاضطرابات النفسية، نعرف بالفعل أن المناخ الأسري شديد النقد أو العدائية أو الانفعال الزائد يمكن أن يرتبط بنتائج أسوأ.
وهذا دُرس تحت مفهوم Expressed Emotion.
في ميتا-تحليل شمل 33 دراسة مستقبلية و2,284 مريضًا بالفصام، ارتبط ارتفاع مستوى الـExpressed Emotion بزيادة خطر الانتكاس، بينما ارتبط الدفء بانخفاض الخطر.
ومراجعة أخرى شملت 34 عينة و1,982 شخصًا مصابًا بالذهان وجدت أن التعرض لمستوى مرتفع من Expressed Emotion ارتبط بزيادة احتمال الانتكاس بنسبة تقارب 95%
لكن هذه النتائج لا تعني أن:
«الأهل هم سبب المرض.»
ولا تعني أن كل نقد داخل الأسرة خطر.
هي ببساطة توضح أن البيئة والعلاقات الأسرية يمكن أن تكون جزءًا مهمًا من مسار بعض الاضطرابات النفسية.
ولهذا أصبح إشراك الأسرة وتثقيفها جزءًا مهمًا من بعض التدخلات العلاجية.
إذن... هل الدكتور هو اللي محتاج دكتور؟
أحيانًا قد يحتاج الطبيب النفسي نفسه إلى علاج.
والمعالج النفسي إنسان.
والأخصائي النفسي يمكن أن يمر بأزمة.
وهذا لا ينتقص من كفاءته المهنية.
فالمعرفة بالاكتئاب لا تمنع الإنسان من الاكتئاب.
ومعرفة القلق لا تجعل الشخص محصنًا ضد القلق.
كما أن معرفة الإسعافات الأولية لا تمنع الطبيب من الإصابة.
لكن هناك فرق بين:
«المعالج إنسان وقد يحتاج إلى مساعدة.»
وبين:
«أي معالج يجعل مريضه أكثر قدرة على التعبير ووضع الحدود إذن هو مجنون.»
الأولى حقيقة إنسانية.
أما الثانية فهي مجرد وصمة.
وربما السؤال الحقيقي ليس: «ليه اتغير؟»
بل:
«هل كنا نحب الشخص... أم كنا نحب الدور الذي كان يؤديه لنا؟»
هل كان مريحًا لأنه كان لا يعترض؟
هل كان «ابنًا كويسًا» لأنه كان يوافق دائمًا؟
هل كانت «زوجة مثالية» لأنها تتحمل دائمًا؟
هل كان «شخصًا طيبًا» لأنه لا يستطيع قول «لا»؟
أحيانًا عندما يبدأ الإنسان في استعادة صوته، لا يصبح شخصًا آخر.
نحن فقط نبدأ في رؤية شخص لم نكن نراه من قبل.
في النهاية
العلاج النفسي لا يفترض أن يجعل الإنسان ضد أسرته.
ولا يفترض أن يجعله يطيع أسرته.
ولا يفترض أن يقنعه بأن كل من حوله مرضى.
العلاج الجيد يساعد الإنسان على أن يفهم نفسه بصورة أعمق، وأن يراجع أفكاره، وينظم انفعالاته، ويختار علاقاته وسلوكياته بقدر أكبر من الوعي والمسؤولية.
لذلك، عندما نسمع:
«من ساعة ما رحت للدكتور وإنت اتجننت!»
ربما نستطيع أن نسأل سؤالًا آخر:
هل هو فعلًا اتجنن؟
أم أنه فقط...
بطل يعمل الدور الذي كنا متعودين عليه؟





إرسال تعليق